فخر الدين الرازي
32
شرح عيون الحكمة
المسألة الثانية في تقسيم كل واحد من هذه العلل الأربع إلى الأقسام الكثيرة قال الشيخ : « كل واحد من ذلك . اما قريب واما بعيد واما عام واما خاص واما بالقوة واما بالفعل وأما بالحقيقة واما بالعرض » التفسير اعلم : أن كل واحدة من العلل الأربع المذكورة يمكن اعتبارها بحسب الأوجه الثمانية المذكورة في هذا الكتاب . وزاد في « الشفاء » أربعة أخرى . وهي أنها قد تكون كلية وقد تكون جزئية وقد تكون بسيطة وقد تكون مركبة . فيكون المجموع اثنى عشر وجها . فلنعتبر هذه الأمور أولا في العلة الفاعلية فنقول : الفاعل القريب هو الذي لا واسطة بينه وبين المفعول ، كالوتر لتحريك الأعضاء . والبعيد هو الذي بينه وبين المفعول واسطة . وهو مثل النفس لتحريك الأعضاء . والفاعل العام هو الذي يشترك في الافعال عنه أشياء كثيرة . مثل الهواء المغير لأشياء كثيرة . والفاعل الخاص هو الذي لا يفعل عنه الا شئ واحد ، كالدواء الذي يتناوله « زيد » فيؤثر في بدنه الخاص لا في بدن غيره . وأما الذي بالقوة ، فمثل النار ، بالقياس إلى ما لم تشتعل فيه . ويصح اشتعالها فيه . والقوة قد تكون قريبة كقوة الكاتب على الكتابة ، وقد تكون بعيدة كقوة الصبى على الكتابة . واما الذي بالفعل فكالنار بالقياس إلى ما اشتعلت فيه . وأما الفاعل بالحقيقة والذات ، فكالطبيب إذا عالج ، والنار إذا سخنت . وهو أن تكون العلة مبدأ بالذات لوجود ذلك الفعل ، وأخذت من حيث هي مبدأ له . والعلة الفاعلة بالعرض : ما خالف ذلك . وهي على أصناف : فأحدها : أن يكون أثر هذا الفاعل في إزالة الضد فقط . مثل « السقمونيا » فإنه يزيل الصفراء فيحصل البرد ، فتكون السقمونيا مبردة بالعرض من هذا الوجه .